Posts Tagged ‘Johannes Brahms’

Suraj Music

المقطوعة الأولى من تأليف يوهان سبيستيان باخ. وهي بالأصل صلاة مكتوبة على الأورغن. لكن عندما يؤديها عبقري البيانو "ويليم كيمبف" تشعر وكأنها قد كُتبت لأجل البيانو. مُناجاة للوصول إلى الله عبر الموسيقى, هل أجمل؟

تشعر وكأن باخ أراد لنا أن نصعد نحو السماء نوطة نوطة, وجعل هذا الطريق طويلاً مُتعرّجاً, صعباً تارة يقبضُ على الأمل, وتارة يُفرَج باسطاً ذراعيه نحو الأعلى لينتهي مع آخر نوطات متباطئة بهدوء وسلام.

 

المقطوعة الثانية من تأليف فريدريك شوبان. وربما هي أجمل مقطوعات "بريليود" الأربع والعشرين التي كتبها. كيف وحين يعزفها التشيلي الأنيق "كلاوديو أراو"؟ في أنغامها هدوء مريح فيه شيء الحذر, أو ربما اللهاث, وربما الحب. تشعر أنها تدور تدور حول مركزها دون وصول, إلا بعد أن تصل القلب.

هي أيضاً المقطوعة التي عُزفت في جنازة شوبان كما أوصى وكما أراد.

 

المقطوعة اللطيفة الهادئة, صديقة مهد الطفولة. حين كتبها الألماني الشهير "يوانس برامس" كانت أغنية لها كلمات ألمانية, تجرمتها جميلة للغاية تقول:

"ليلة سعيدة..
والزهور تملئ مهدك..
ليلة سعيدة والدفء يحيط بك..
غداً صباحاً, الله سيرعاكَ, مجدداً..

ليلة سعيدة, ولا تقلق..
ستحميك الملائكة..
وتحيك لك أحلاماً سعيدة..
فيها أشجار ميلاد..
الحب والجمال..

ليلة سعيدة.. أنت مُبارك..
وأنت حُلو.. وقلبك صغير..
ستكون في السماء الأجمل..
إن لم يكن الآن, فلو في الحُلم."

مع الوقت أصبحت تُعزف كمقطوعة سولو على البيانو. وأصبحت كما تعرفون أيقونة مهد الطفولة.

 

المقطوعة الرابعة "كلير دي لون" – للفرنسي "كلود ديبوسي".

لا ندري عن ضوء القمر سوى الحلم والسهر. سوى سهد العيون ودموع الشوق والحنين للأحبة وللطفولة. ولا نحتاج لمعرفة معنى إسم هذه المقطوعة كي نفهمها بهذا الوضوح (كلير دي لون تعني ضوء القمر).
نحتاج فقط لإغماض عيوننا والإنصات لهذا الجمال بصمت. تلمس غفلة عُيوننا الإستلقاء تحت ضوء القمر دون مقدمات كثيرة, وتغمس قلوبنا بأزرق الحلم, نوطة نوطة. الموسيقى سلم الصعود نحو أبعد نجمة وسابع سماء, ونحن التائهون في أرض الشقاء, الجائعون للسلام والحنان والرأفة, لا نملك سوى جناح اللحن هذا كي نلمس حدود الخيال, أو حدود الحقيقة؟

 

المقطوعة الخامسة لـ"إيريك ساتيه" الفرنسي الغريب الأطوار. تخيلوا إنساناً يكتب جمالاً كهذا ويخجل من أن يكون موسيقي؟
"إيريك" يُصرّ على أنه عالم أصوات. ويصحح لكل من يُعرّفه بموسيقي. ولم يعرف "إيريك ساتيه" وهو يكتب هذه المقطوعة أنه يؤسس أنماطاً موسيقية جديدة ستكون مصدر الإلهام لمؤلفي الموسيقى الهائمة وموسيقى الأتموسفير المعاصرة حتى هذه اللحظة.

دقائق هذه المقطوعة القليلة لا تحتاج وصفاً كثيراً فهي فرصة للصمت لا للكلام. هي فُسحة سماوية للهدوء و التأمل و السلام.

 

المقطوعة السادسة هي الرهابسودي المجرية لـ"فرانز ليست".
ربما لم يعزفها أحد كما عزفاها "توم وجيري"! فهذه المقطوعة الجميلة اكتسبت الشهرة الأكبر حين قدمتها "ديزني" في مُسلسلات الكرتون القديمة سواء "توم وجيري" أو الأرنب "باغز", والسبب واضح: المقطوعة مرحة للغاية وفيها طفولة وعفوية وفرح كبير يدعوك للتمايل والإحتفال. هذه المقطوعة من أجمل مقطوعات البيانو لأنها تذكرنا بالطفل الذي فينا.

المقطوعة المرفقة من أداء العازف الخطير فلاديمير هوربتز.

هذا رابط لها من عزف توم وجيري:
http://www.youtube.com/watch?v=Br5DvzIQnPU

وهذه حين عزفها الأرنب باغز:
http://www.youtube.com/watch?v=scjBYNxDCDA

 

لا يمكن لنا أن نذكر أجمل مقطوعات للبيانو دون أن نمرّ على مقطوعتنا السابعة وهي "سوناتا ضوء القمر" بحركتها الأشهر الـ"أداجيو" للعبقري "لودفيج فان بيتهوفن".

يُحكى أن للمقطوعة أبعاداً عاطفية تخصّ بيتهوفن, وأنه كتبها لحبيبته التي اختارت الزواج من صديق عمره بدلاً منه. ربما بسبب صممه. على أية حال المقطوعة غارقة بمشاعر متضاربة ولا يمكن أن نلخصها بكلمات قليلة أو بشعور واحد ناتج عن مونولوج
حياة بيتهوفن, البعض يسمع أملاً فيها, البعض لا يرى أكثر من فرصة للحزن, ولا عجب بذلك: بالنهاية نحن نستمع لضوء القمر.

 

أما المقطوعة الثامنة فلا صيتٌ كبير لها. لحسن حظ من يُنصت إليها: تُباغته في الحلاوة وكأنها كنزٌ مدفون بعيداً عن العيون في عميقٍ جميل.

ربما شهرةُ "الفصول الأربعة" التي كتبها "فيفالدي" غطتْ بطريقة ما على هذه المقطوعات الخجولة للروسي الجميل "بيتر تشايكوفسكي". تشايكوفسكي كتب مقطوعات "الفصول" على شكل مختلف: إثنا عشر مقطوعة هادئة, واحدة لكل شهر. وكلها تعبّر عن الفصول. بالنسبة لي من الصعب حقاً إختيار واحدة فقط, خاصة وأني عاشق لتشايكوفسكي بإمتياز, وإن كان الإختيار قد وقع على مقطوعة شهر حزيران, إلّا أني أدعوكم بصدق لسماع كامل المقطوعات. وخصوصاً مقطوعة شهر "تشرين الثاني – أكتوبر" التي تدعى ب"أغنية الخريف" .

ربما أجمل من قدّم "الفصول" على البيانو هو الروسي "ميخائيل بلانتيف", والذي اخترتُ مقطوعتنا هذه من تسجيلاته القديمة. وهناك أيضاً الروسي الآخر "سفياتوسلاف ريتشر" قد قدمها بشكل جميل للغاية.

 

المقطوعة التاسعة, لقد مررنا سابقاً على مقطوعة للمؤلف "فريدريك شوبان", و أبرر تكرار المرورُ على مقطوعاته لسبب واضح: مقطوعات "شوبان" على البيانو هي الأكثر شهرة وجمالاً.

"نوكترون": تعني الليل بالفرنسية. وهي مجموعة جميلة من المقطوعات التي كتبها "شوبان" خصيصاً للبيانو. وهذه المقطوعة هي الثانية من المجموعة التاسعة لـ"نوكتورن". كتبها شوبان في عمر الشباب وأهداها لصديق له.

أكتبُ قليلاً عن المقطوعة كتسمية وكقصة, لكن دائماً الأجمل هو الإستماع إليها دون أن نشغل البال بشيء سوى بأنغامها. أن نحاول فهمها بعذرية تامة, بغض النظر عن اسمها وسبب كتابتها. خاصة حين تكون مقطوعة على البيانو, كثيراً ما يُفهم السبب و الإسم قبل معرفة القصة ورائهما.

أنغام "نوكتورن" هذه فيها عذوبة وصفاء تشبه الصباح, وهدوءٌ كبير يجعلك تشعر بالغسق والنور. جميلة ومُسالمة ويعدّها الكثيرون -وأنا منهم- أجمل مقطوعات "نوكتورن" لشوبان. كيف وأن من يُقدمها هو آرثر روبينشتاين؟

 

المقطوعة العاشرة, لا أريد أن أعرف كثيراً عن هذه المقطوعة. لماذا كُتبت؟ ما اسمها؟ لا تسألني. أنا نفسي أستمعُ إليها بتجردٍ من كل معرفة. اسأل اللحن. اسأل شوبرت!

شوبرت, يا صديقي العجوز: ماذا تريد منّا يا شوبرت؟ تبدأ بما يشبه السلام والهدوء. ثم سريعاً ,وكأنك تقلق أو تخافُ خسارة شيء, تجعل نغماتك حذرة. نوطات الماينور تتسلل كأنها خجل. ثم سريعاً تُعيد النغمة الأولى. أتخيلك تقوم من على بيانو غرفتك وتتنهد, ثم تعود إليه لتعيد المحاولة. وبعد دقيقة ونصف تماماً من حيرتك هذه, تغرقنا بحزن عظيم. لماذا يا شوبرت؟ قبل أن نُسلّم قلوبنا للحزن, وقبل أن نتصالح مع نغمك, تقرر أن تصيح بنا كالمجنون. حرامٌ عليك. تضرب على البيانو وكأنك تصرخ أو تغضب. ثم, وكما باغتنا غضبك, تعود لتهدأ. تعود لتحزن.

ماذا تريد؟ بما تفكر؟ كيف ترجع لنغمات السلام الأول بعد كل هذا. وكأنك -يا شوبرت- تحكي عن قصة الحياة؟ كيفَ نولد طاهرين من كل خطئية, وكيف تتلطخ قلوبنا يوماً بعدَ آخر بالشقاء والتعب. أو كأنك تريد لنا, مهما كبرنا, أن نذكر لحن الولادة الأول, لحنَ عُذرية العيون وهي تُفتح على الحياة لتوّها, أم وهي تُغلق على الأبد؟ وما الفرق؟ هذا اللحن هو الفرق.

إعداد الموسيقي محمد جودة

Tags: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

Don't forget to LIKE us on Facebook!